محمد بن جرير الطبري
216
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
وما أشبه ذلك من السُّور التي جعل مَفاتحها الحمدَ لنفسه ، وكما جعل مفاتحَ بَعضها تعظيم نَفسه وإجلالها بالتسبيح ، كما قال جل ثناؤه : ( سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلا ) [ سورة الإسراء : 1 ] ، وما أشبه ذلك من سائر سور القرآن ، التي جعل مفاتحَ بعضها تحميدَ نفسه ، ومفاتحَ بعضها تمجيدَها ، ومفاتح بعضها تعظيمَها وتنزيهها . فكذلك جَعل مفاتحَ السور الأخَر التي أوائلها بعضُ حروف المعجم ، مدائحَ نفسه ، أحيانًا بالعلم ، وأحيانًا بالعدل والإنصاف ، وأحيانًا بالإفضال والإحسان ، بإيجاز واختصار ، ثم اقتصاصَ الأمور بعدَ ذلك . وعلى هذا التأويل يجبُ أن يكون الألف واللام والميم في أماكن الرفع ، مرفوعًا بعضُها ببعض ، دون قوله ( ذَلِكَ الْكِتَابُ ) ، ويكون " ذلك الكتاب " خبرا مبتدأ مُنقطِعًا عن مَعنى " ألم " . وكذلك " ذلك " في تأويل قول قائل هذا القول الثاني ، مرفوعٌ بعضه ببعض ، وإن كان مخالفًا معناهُ معنى قول قائل القول الأول . وأما الذين قالوا : هنّ حروف من حروف حساب الجُمَّل دون ما خالف ذلك من المعاني ، فإنهم قالوا : لا نعرف للحروف المقطَّعة معنًى يُفهم سوى حساب الجُمَّل ، وسوى تَهَجِّي قول القائل : " ألم " . وقالوا : غيرُ جائز أن يخاطبَ الله جلّ ثناؤه عبادَه إلا بما يفهمونه ويعقلونه عنه . فلما كان ذلك كذلك - وكان قوله " ألم " لا يُعقَل لها وجهٌ تُوجَّه إليه ، إلا أحد الوجهين اللذين ذكرنا ، فبطل أحدُ وَجهيه ، وهو أن يكون مُرادًا بها تهجِّي " ألم " - صحَّ وثبت أنه مرادٌ به الوجه الثاني ، وهو حساب الجُمَّل ؛ لأن قول القائل : " ألم " لا يجوز أن يليَه من الكلام " ذلك الكتاب " ، لاستحالة معنى الكلام وخرُوجه عن المعقول ، إنْ وَلي " ألم " " ذلك الكتاب " . واحتجوا لقولهم ذلك أيضا بما : - 246 - حدثنا به محمد بن حُميد الرازي ، قال : حدثنا سَلَمة بن الفضل ، قال : حدثني محمد بن إسحاق ، قال : حدثني الكلبي ، عن أبي صالح ، عن ابن عباس ، عن جابر بن عبد الله بن رئاب ، قال : مرَّ